الحسن بن محمد البوريني
مقدمة 25
تراجم الأعيان من أبناء الزمان
ويبدو أنه كان يكتب بعض تراجمه من رأس القلم كما يقولون وعفو الخاطر ، لذلك لم يلتزم السجع فيها . ثم عاد فنقّحها ، فحذف وأضاف وسجع . وتقدّم لنا مخطوطة الهند - التي سنصفها - النماذج الأولى للتراجم قبل الحذف والتنقيح . وتتفاوت التراجم في سعتها وضيقها ، حسب صلة المترجم له بالمؤلف وشأنه . فنجد تراجم زادت على عشر صفحات . وأخرى لا تكاد تتم صفحة واحدة . * صوّر البوريني في تراجمه رجال عصره ، كما صوّر عصره أيضا . فهي تراجم غنيّة سجّلها شاهد عيان . وقد ساعده على تصوير الرجال كثرة مخالطته إياهم وتحدثه إليهم ، وغشيانه المجالس العامة والخاصة . وساعده على تصوير حوادث عصره أنّه كان يخالط الأمراء والولاة والقضاة ، فيسمع منهم ما يحدث ويجري . وإن سرده الحوادث الكبرى التي وقعت بين طائفة السكبانية وولاة السلطنة ، وتصويره حالة لبنان وأمرائه الإقطاعيين لمن أهم ما كتب في هذا الموضوع . ولقد سبق البورينيّ ، مؤرخ مصر الجبرتيّ ، بقرنين إلى الاهتمام بالحوادث المعاصرة له وسردها سردا تاريخيا حيّا . ويصوّر بعض المؤرخين المصريين المعاصرين الجبرتيّ على أنه المؤرخ الوحيد الذي سجّل حوادث أيّامه في الشرق العربي في القرون الأخيرة . ولعل سبب ذلك عدم اطلاعهم على آثار مؤرخي دمشق في العهد العثماني . وكذلك فاق البوريني صاحبنا الجبرتي بثقافته الواسعة واطلاعه على مصادر التاريخ ، واستقائه الأخبار من مراجعها . فبينا نجد البوريني يصاحب آثار المؤرخين القدامى وينتفع بها ، يعترف الجبرتي أنه ما أتيح له أن